محمد متولي الشعراوي
777
تفسير الشعراوي
إذن فلا بد أن يوجد له هدى من قبل أن يكون له عقل يفكر به ، كما أن الذي يضع هذا الهدى لا بد ألا ينتفع به ، وعلى ذلك فاللّه سبحانه أغنى الأغنياء عن الخلق ولن ينتفع بأي شئ من العباد ، أما البشر فلو وضعوا « هدى » فالواضع سينتفع به ، ورأينا ذلك رأى العين ؛ فالذي يريد أن يأخذ مال الأغنياء ويغتنى يخترع المذهب الشيوعى ، والذي يريد أن يمتص عرق الغير يضع مذهب الرأسمالية ، مذاهب نابعة من الهوى ، ولا يمكن أن يبرأ أحد من فلاسفة المذاهب نفسه من الهوى : الرأسمالى يقنن فيميل لهوى نفسه ، الشيوعى يميل لنفسه ، ونحن نريد من يشرع لنا دون أن ينتفع بما شرع ، ولا يوجد من تتطابق معه هذه المواصفات إلا الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يشرع فقط ، وهو الذي يشرع لفائدة الخلق فقط . والذي يدلك على ذلك أنك تجد تشريعات البشر تأتى لتنقض تشريعات أخرى ، لأن البشر على فرض أنهم عالمون فقد يغيب عنهم أشياء كثيرة ، برغم أن الذي يضع التشريع يحاول أن يضع أمامه كل التصورات المستقبلية ، ولذلك نجد التعديلات تجرى دائما على التشريعات البشرية ؛ لأن المشرع غاب عنه وقت التشريع حكم لم يكن في باله ، وأحداث الحياة جاءت فلفتته إليه ، فيقول : التشريع فيه نقص ولم يعد ملائما ، نعدله . إذن فنحن نريد في من يضع الهدى والمنهج الذي يسير عليه الناس بجانب عدم الانتفاع بالمنهج لا بد أيضا أن يكون عالما بكل الجزئيات التي قد يأتي بها المستقبل ، وهذا لا يتأتى إلا في إله عليم حكيم ، ولذلك قال تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ( من الآية 153 سورة الأنعام ) ستتبعون السبل ، هذا له هوى ، وهذا له هوى ، فتوجد القوانين الوضعية التي تبددنا كلنا في الأرض ، لأننا نتبع أهواءنا التي تتغير ولا نتبع منهج من ليس له نفع في هذه المسألة ، ولذلك أقول : افطنوا جيدا إلى أن الهدى الحق الذي لا أعترض عليه هو هدى اللّه ، « هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ » . والقرآن في جملته « هدى » والفرقان هو أن يضع فارقا في أمور يلتبس فيها الحق بالباطل ، فيأتي التنزيل الحكيم ليفرق بين الحق والباطل .